أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

8

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقرأ الأعمش والنضعي « 1 » وابن أبي عبلة : نزل بتخفيف الزاي ورفع الكتاب فأما القراءة الأولى فقد تقدم أن هذه الجملة يحتمل أن تكون خبرا وأن تكون مستأنفة . وأما القراءة الثانية فالظاهر أن الجملة فيها مستأنفة ويجوز أن تكون خبرا والعائد حينئذ محذوف تقديره : نزل الكتاب من عنده . قوله : « بِالْحَقِّ » فيه وجهان : أحدهما : أن تتعلق الباء بالفعل قبلها والباء حينئذ للسببية أي : نزله بسبب الحق . والثاني : أن تتعلق بمحذوف على أنها حال : أما من الفاعل أي : نزله محقا أو من المفعول أي : نزله ملتبسا بالحق نحو : جاء بكر بثيابه أي : ملتبسا بها . وقال مكي : « ولا تتعلق الباء بنزل لأنه قد تعدى إلى مفعولين أحدهما بحرف فلا يتعدى إلى ثالث » وهذا الذي ذكره مكي غير ظاهر فإن الفعل يتعدى إلى متعلقاته بحروف مختلفة على حسب ما يكون وقد تقدم أن معنى الباء السببية فأيّ مانع يمنع من ذلك ؟ قوله : مُصَدِّقاً فيه أوجه : أحدها : أن ينتصب على الحال من « الْكِتابَ » فإن قيل « بأن الحق » حال كانت هذه حالا ثانية عند من يجيز تعدد الحال وإن لم يقل بذلك كانت حالا أولى . الثاني : أن ينتصب على الحال على سبيل البدلية من محل « بِالْحَقِّ » وذلك عند من يمنع تعدد الحال في غير عطف ولا بدلية . الثالث : أن ينتصب على الحال من الضمير المستكن في « بِالْحَقِّ » إذا جعلناه حالا لأنه حينئذ يتحمل ضميرا لقيامه مقام الحال التي تتحمله وتكون حالا متداخلة أي : أنها حال من حال وعلى هذه الأقوال كلها فهي حال مؤكدة لأنه لا يكون إلا كذلك فالانتقال غير متصور فيه وهو نظير قوله : 1162 - أنا ابن دارة معروفا بها نسبى * وهل بدارة يا للنّاس من عار « 2 » قوله « لِما بَيْنَ يَدَيْهِ » مفعول لمصدقا وزيدت اللام في المفعول تقوية للعامل لأنه فرع إذ هو اسم فاعل كقوله تعالى : « فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ » * وإنما ادعينا ذلك لأن هذه المادة متعدية بنفسها . قوله : التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ اختلف الناس في هذين اللفظين : هل يدخلهما الاشتقاق والتصريف أم لا يدخلانهما لكونهما أعجميين ؟ فذهب جماعة كالزمخشري وغيره إلى الثاني . قالوا : لأن هذين اللفظين إسمان عبرانيان لهذين الكتابين الشريفين . قال الزمخشري : « وتكلف اشتقاقهما من الورى والنجل ووزنهما بتفعله وإفعيل إنما يثبت بعد كونهما عربيين » .

--> ( 1 ) إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود أبو عمران النخعي الكوفي المشهور الصالح الزاهد توفي سنة ( 96 ) انظر غاية النهاية 1 / 29 . ( 2 ) تقدم .